أحمد بن يحيى العمري

119

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

أخاه بتلك الحالة ، ولا أحد يسمع قوله . وكان دائم الإحسان إليه ، وربما يسأله المقام في الري ، أو في غيره ، وهو يتفقده ، ويصله بكل ما يقدر عليه ، فكان كلما سأله ذلك يزيد في فعله ، ولا ينقص من حاله ، ولم يزل كذلك لا ينقطع عنه ، ولا يسكت عما هو فيه إلى أن اجتمع الإمام فخر الدين بالسلطان خوارزم شاه ، وأنهى إليه حال أخيه ، وما يقاسي منه ، والتمس منه أن يتركه في بعض المواضع ، ويوصي عليه أن لا يمكّن من الخروج والانتقال عن ذلك الموضع ، وأن يكون له ما يقوم بكفايته من كل ما يحتاج . فجعله السلطان في بعض القلاع التي له ، وأطلق له إقطاعا يقوم به كل سنة بما مبلغه ألف دينار ، ولم يزل هناك مقيما حتى قضى الله فيه أمره « 1 » . قال : وكان الإمام فخر الدين علّامة وقته في كل العلوم ، وكان الخلق يأتون إليه من كل ناحية ، وكان الخطيب أيضا بالري ، وكان له مجلس عظيم للتدريس ، فإذا تكلم بزّ القائلين ، وكان عبل البدن باعتدال ، عظيم الصدر والرأس ، كثّ اللحية ، ومات وهو في سن الكهولة ، أشمط « 2 » شعر اللحية ، وكان كثيرا ما يذكر الله تعالى ويستغفره ، ويسأله الرحمة والقبول ، والتجاوز عن لله ، ويقول : إنني حصلت من العلوم ما يمكن تحصيله بحسب الطاقة البشرية ، وما بقيت أوثر إلا لقاء الله تعالى ، والنظر إلى وجهه الكريم . قال : وخلّف فخر الدين ولدين ذكورا ؛ أكبرهما : يلقب بضياء الدين ، وله اشتغال ونظر في العلوم . والآخر : - وهو الصغير - لقبه : شمس الدين ، وله فطرة فائقة ، وذكاء حاذق ، وكان كثيرا ما يصفه الإمام فخر الدين بالذكاء ويقول : " إن عاش هذا فإنه يكون أعلم مني ! " . وكانت النجابة تتبين فيه من الصغر .

--> ( 1 ) : عيون الأنباء 465 . ( 2 ) : الشّمط : بياض الرأس يخالط سواده ، فهو أشمط . " القاموس مادة شمط " .